فخر الدين الرازي

327

الأربعين في أصول الدين

وإذا ثبت أن قدرة الله تعالى على ايجاد هذه الحركة المعينة لا يمكن أن تكون أقوى من قدرة العبد على ايجاد هذا السكون ، استحال أن يقال : ان مقدور الله تعالى أولى بالوقوع من مقدور العبد ، وثبت أن التفاوت الحاصل بسبب أن قدرة الله تعالى متعلقة بما لا نهاية له وقدرة العبد متعلقة بالمتناهى ، لا يقدح في ذلك التساوي . فثبت : أن بتقدير أن تكون قدرة العبد صالحة للايجاد ، يلزم أحد هذه الأقسام الثلاثة . وثبت : أن كل واحد منها باطل ، فلزم القطع بأن قدرة العبد غير صالحة للايجاد . الحجة الخامسة : ان الفعل الاختياري لا يقع منه ، الا ما تعلق به القصد والاختيار . والكافر لا يقصد ولا يختار احداث الجهل ، بل لا يقصد الا العلم والصدق ، فكان يجب أن لا يحصل له الا العلم والصدق . ولما قصد العلم وحصل له الجهل ، علمنا : أن وقوعه ليس بايقاعه بل بايقاع غيره . فان قيل : انما حصل ذلك الجهل ، لأنه ظن أنه علم ، فلا جرم قصد ايقاعه . قلنا : فهو انما اختار الجهل بسبب أنه كان ذلك الجهل المتقدم حاصلا له . فإن كان القول فيه كما في الأول ، لزم أن يكون كل جهل مسبوقا بجهل آخر ، لا إلى بداية وذلك محال . فاذن لا بد من انتهاء هذه الجهالات إلى جهل أول ، غير مسبوق بجهل آخر . وذلك الجهل الأول يستحيل أن يكون بسبب أن الانسان اختاره . لأن الإنسان لا يختار ذلك البتة . فثبت : أن ذلك الجهل الأول انما حصل بايجاد الله تعالى وتخليقه ، وسائر الجهالات تفرعت عليه . فكان الكل مستندا بالحقيقة إلى تخليق الله تعالى وتكوينه . وأما المعتزلة . فكلامهم في هذا الباب في غاية الكثرة والبسط ،